ابن كثير
312
البداية والنهاية
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا المسعودي ، حدثنا عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل . قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة . وقال وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وصام عاشوراء ثم إن الله فرض عليه الصيام وأنزل : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) إلى قوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه ، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) إلى قوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فأثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان . قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا ، فإذا ناموا امتنعوا . ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد جهدا شديدا فقال : " مالي أراك قد جهدت جهدا شديدا " فأخبره ، قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم ) إلى قوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) . ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت : كان عاشوراء يصام ، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر . وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله . ولتحرير هذا ، موضع آخر من التفسير ومن الاحكام الكبير وبالله المستعان . قال ابن جرير : وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر ، وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم - أو يومين - وأمرهم بذلك ، قال وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة ( 1 ) وكان للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأعياد . قلت : وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب ( 2 ) كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
--> ( 1 ) في الطبري وابن الأثير : العنزة وهي عصا في رأسها سنان مثل سنان الرمح . ( 2 ) أي زكاة المال .